دائنا ما كنت أشعر بالخزي من اعمال الأجيال العربية الأخير… حتى أنني أقولها علن أمام من أكبر من سنا: العرب المتراوحة أعمارهم الآن بين ال40 وال80 إلى مزبلة التاريخ.
قد أكون مجحفا وقاسيا بعض الشيء لكن الألم الذي سببه لي هذا الجيل البائس لا يمكن وصفه… فلا يوجد شيء على مايرام. وكل من كنت أعتقد في صغري أنه قد يكون قدوة لي في المستقبل إتضح أنه خيبة أمل بلا حدود. ما عدا والدتي التي في نظري أعظم وأقوى من العديد ممن عرفتهم… لكن للأسف في بداية عمرك “مزمار الحي لا يطرب” ودائما ما تبحث عن شخص آخر لترى فيه آمالك وتطلعاتك.
نشأت في مدينة برأيي من أجمل مايكون غنية بكل شيء: الموسيقى (القدود الحلبية), التجارة والصناعة (أكثر من 50 ألف شركة مسجلة) , العلم (واحدة من اقدم الجامعات في سوريا). جمال معماري بديع في عمارات أبدع من بناها من القدماء. إلى سوقها المغطى الغاية في الجمال من حيث التنظيم.
لكني كبرت على فاجعة غريبة… شعب جشع بشكل لا يمكن وصفه. وأصبح تجار المدينة (قلب مدينة حلب) بالنسبة لي وحوش يسيل لعابهم لصوت القطع النقدية. فهم فاشلون بكل المقاييس: إنسانيا, تجاريا, اجتماعيا وخلقيا. وتوالى على حلب في ال40 سنة الأخيرة العديد من المسؤولين الذين تزاوجو مع هؤلاء الوحوش بحيث أصبحت المدينة مرتعا لمن هو جاهز ليبيع أي شيء مقابل المال.
لم أكن أنوي الهجوم على الحلبية بهذا الشكل لكن أحيانا لا تستطيع أن تتمالك نفسك.
منذ بضعة أيام… حضرت على الجزيرة برنامجا وثائقيا رائعا عن الأخوين فليفل. وهم من الحقبة العمرية التي تسبق الحقبة السوداء بنظري. واكتشفت انهم وطنيون لأبعد الحدود. وبما أني لا أؤمن بالحدود… وبلاد العرب أوطاني. فأنا أفخر أن يكون أجدادي من أمثال الأخوين فليفل
بما أننا مجتمع “يظن أنه متدين” كالذي يلعب بلاي ستايشن ويظن أنه لاعب كرة قدم…
وبما أنني ومن خلال مجتمعي الصغير شهدت العديد من الحوادث التي غيرت مستقبل أشخاص بسبب الرضى والغضب.
طبعا كلمة “بغضب عليك” استعملت في عدة مواضع… لمنع زواج, للاجبار على زواج (وللاسف هكذا قرار يؤثر على حياة ناس لسنين طويلة), للاجبار على الطلاق, للاجبار على دراسة فرع معين, واحيانا لارضاء غرائز أو للاجبار على فعل أي شيء يصعب على الأهل التعامل به مع الأولاد من خلال المنطق والحجة…
المثير للاشمئزاز هنا أمران:
أولا هو الفكرة الغريبة للأهل عن حديث “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته” فهم يرونها منحة ولكنها محنة وتعريف مسؤول هو : المنوطُ به عملٌ تقع عليه تبعته.
ثانيا: عدم احترام الله الذي يدعون أنهم استمدوا منه قوتهم… ألا تخجل عندما تدعي أن الله الذي تؤمن بأنه عادل سوف يدخل ابنك الجنة فقط لأنك أردت ذلك؟ اليس في هذا التفكير الكثير من السادية؟ فالله الذي يظن الأهل أنه “يدعمهم” قال “ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وان كان مثقال حبة من خردل نأت بها وكفا بنا حاسبين”
ألا تعتقد أن مفهوم الغضب والرضى والعدل أوسع من عقلك الصغير أيها الأب الجاهل أو الأم الجاهلة؟ ألا تعتقد يامن أخذت كل قوتك من الدين أن هذا الدين سيحاسبك تماما كما سيحاسب ابنك؟ ألم تسمع الظلم ظلمات يوم القيامة؟
أنا لا أدعو هنا للعقوق لكني أعتقد أن علاقة الأهل مع الابناء صارت ضرب من ضروب أفلام الخيال فلا هي علمية لنذهب للعلمانيين فننهل مما عندهم ولا هي دينية.
مااستغربه حقا أنني لا أستطيع أن أرى بين المتدينين مايشبه العلاقة بين الأب والأولاد… كل ما استطيع رؤيته هو شخص بذيء الكلام فظ الأخلاق يتعامل مع أناس يحاولون تجنبه بشتى الطرق. وأما الأم فهي أعلنت الحرب الأزلية على أي انثى تأتي للعائلة وتجعل من حياتها وحياة ابنها جحيم اسود تحت لواء الدين البريء من هذه الأم وهذا الأب.
مرة سمعت مقولة أعجبتني جدا من الدكتور راتب النابلسي: يجب أن يكون العيد عندما تدخل إلى البيت لا عندما تخرج…
كل ما أطلبه من الأهل أن يتقوا الله في أولادهم فهم يخربون أجيالا بسبب عقلهم الخرب وعجرفتهم.
من بعض ما تعلمته في صغري أن مدينتي حلب مشهورة بالنطق العربي وبمخارج حروف سليمة. وذلك لدراسة القرآن المنتشرة في المدينة. كما أننا مشهورون بالطرب.
للأسف وأكررها للأسف الشديد… لا أعرف لماذا لا يقوم من هم مسؤولون عن أقدم مدينة مأهولة في العالم بالاعتناء بتراث يفرح القلوب و يزكي النفوس… هناك في هذا العالم من يبحث عن تاريخ وللأسف هناك من يدفنه…
لا أستطيع وصف فرحتي والنشوة التي شعرت بها عندما سمعت اعلان الوفاء عند الحلبية القدام.
كان الإعلان عن الوفاة في حلب أيام زمان يتم عبر مآذن الجوامع بطريقة إنشاد ديني مميز وذلك حتى أواخر الخمسينيات من القرن العشرين، ولعل بعضكم قد سمع ذلك بالفعل من قبل. قام الأستاذ محمد قدري دلال بدراسة هذا الإنشاد وفي هذا اللينك مقدمة لطريقة اعلان الوفاة
وفي هذا اللينك مثال عن اعلان الوفاة. ولا أستطيع أن أقول غير أن الابداع بطريقة الاعلان تلمس القلب مباشرة. صوت جميل وفكرة جميلة